وزارة نظيف الجديدة القديمة!
علي منصور
هناك طريقتان لفهم وتقييم التغيير الوزاري من عبيد لنظيف: أن تراه بعين الكادحين والفقراء الذين يفرشون أرجاء مصر، أو أن تراه بعين الطبقة الحاكمة من رجال الأعمال والسلطة.
الأجراء والفقراء لا يشعرون بأي تغيير. هم ينظرون لما يحدث في القصر وبين الحاشية كأحداث بعيدة ومعادية. التعليق الرئيسي على ألسنتهم أنه "لا فرق بين زيد أو عبيد أو نظيف".
هذه النظرة فيها شيء كثير من الصحة. ليس هذا فقط لأن أكثر من نصف الوزراء (عشرون من أربعة وثلاثون) لم يتغيروا، أو لأن رئيس الوزراء الجديد كان عضوا مطيعا في الوزارة القديمة، أو لأن كمال الشاذلي وحسن خضر وفاروق حسني وغيرهم من المكروهين لازالوا في الحكم. الأهم من ذلك كله أن الجميع أصبح يدرك أن التغيير ينبغي أن يبدأ من الرأس.
لكن أيضا لابد أن نعترف أن الإحساس الغالب في أوساط الجماهير هو أنه ربما يكون هناك تغيير للأسوأ! هذا ربما فيه شيء كثير من الصحة. فقد كوفيء نظيف على خصخصته لقطاع الاتصالات بتعيينه رئيسا للوزراء "لتعميم التجربة". وكوفئ خضر على عودة طوابير العيش بالبقاء في الوزارة. وكوفئ محمود محيي الدين – ولجنة السياسات – على تعويم الجنيه ورفع الأسعار بالصعود للوزارة. وكوفئ العادلي على تلفيقه القضايا لكل التيارات وعلى قمعه لكل المظاهرات بالاستمرار في موقع رئيس الشرطة. وأخيرا كوفئ رجال الأعمال (رشيد محمد رشيد وأحمد المغربي) على احتكاراتهم وامتصاصهم لدماء العمال بالصعود للمناصب الوزارية لإدارة البلد مباشرة بدلا من إدارتها من وراء ستار.
من ناحية أخرى الطبقة الحاكمة والنخبة السياسية لها رأي آخر فيما حدث. هذا الرأي يمكن أن تلمس بعضا منه في ثرثرات الصحافة ونميمة منتديات الأثرياء والوجهاء. وخلاصته أن هناك تغييرا هاما حدث وأن هذا التغيير هو خطوة على طريق توريث الحكم لجمال مبارك. فبالحسابات تم اكتشاف أن ثمانية من الوزراء الجدد ينتمون إلى لجنة جمال مبارك المسماة بلجنة السياسات، وأن صفوت الشريف قد تلقى "شلوتا لأعلى"، وأن يوسف والي أحيل إلى الاستيداع، وأن كمال الشاذلي قد تم تقليصه إلى النصف.
ربما يكون ما سنقوله غريبا. لكن المفارقة أن رؤية رجال الأعمال والحكم هي أيضا صحيحة. فبالفعل هذه الوزارة هي أحد المعابر للانتقال من عصر حسني مبارك إلى عصر جمال مبارك. فلأن الكل يعلم أن مبارك قد أصابته الشيخوخة، ولأن النظام الذي يحكمنا لا يتضمن أي آليات لنقل السلطة، فقد أصبح هاجس التغيير هو الشغل الشاغل للطبقة الحاكمة. ومن ثم فقد انتعشت مناورات ومؤامرات القصر بين المجموعات والشلل المختلفة في أوساط النخبة.
لكن مرض مبارك ليس السبب الوحيد لمأزق الطبقة الحاكمة. ربما يكون مرض رأس النظام قد لعب دور العامل المساعد والمكثف، ولكنه ليس لب المشكلة. اللب الحقيقي للمشكلة يكمن في إفلاس هذا نظام وعدم قدرته على قيادة البرجوازية المصرية خارج متاهة الأزمة الاقتصادية والمجتمعية التي تزلزل المجتمع بأسره. ففي عالم يفقد توازنه وتتحطم فيه كل أسس الاستقرار الرأسمالي تأكد الإخفاق التام والنهائي للنظام الحاكم: خسر أسهمه كسمسار للسلام في الشرق الأوسط، تعقدت علاقته الخاصة بالإمبريالية الأمريكية وزادت سهام النقد ضده، تبخرت مشاريعه الوهمية لتحويل مصر إلى نمر على النيل، وزكمت رائحة فساده الأنوف.
كيف إذن يمكننا التوفيق بين ما تراه النخبة وما تراه الجماهير؟ ولماذا رأت الجماهير جمودا والتفافا على التغيير فيما رأت الطبقة الحاكمة فيه خطوة هامة على طريق الإصلاح؟ السبب واضح: معايير التقييم وأدوات القياس مختلفة لدى الطبقتين. الجماهير تريد الخبز والعدل والحرية، وأصحاب السلطة والثروة يريدون مزيدا من النهب والأرباح. الجماهير لا تريد النظام لأنها ترفض سياسات التعذيب في الأقسام والخصخصة في المصانع ورفع الأسعار في الأسواق والإفقار في كل مجال. أما البرجوازية فهي تبحث في كيفية تغيير النظام لأنه بفساده وبطؤه وتخبطه يمثل عبئا على أرباحها وتراكمها.
رأت الجماهير في الوزارة الجديدة – وهي محقة – استمرارا لنفس السياسات القديمة. رأت فيها صعودا لرجال الأعمال والخصخصة واستمرارا لنفوذ الأثرياء والقطط السمان الذين رفعوا الأسعار وخفضوا الدعم وطردوا العمال من المصانع. أما رجال الأعمال الاحتكاريين فقد رأوا في وزارة نظيف بشارة بإنهاء مشكلة علاقتهم بالسلطة التي نفخت في صورتهم على مدى الثمانينات والتسعينات. فجمال مبارك يمثل – في ضوء الممكن والمتاح – التركيبة المثلى للعلاقة بين الاستقرار والتغيير. جمال مبارك سيقوم بتصفية البيروقراطية القديمة وبترشيد جهاز الدولة الأخطبوطي الفاسد، وسيدعم نفوذ البيزنيس في كل حال ومجال. ولكن من محاسن الصدف أنه سيفعل ذلك بدون صراعات خطرة على القمة .. بدون انقلابات، مظاهرات، أو حركة جماهيرية. إذن فالرهان ينبغي أن يكون على جمال ورجال جمال.
هذه الوزارة الجديدة هي إذن مجرد صب للخمر القديم في آنية جديدة. ولكن ربما لا يلاحظ كثيرون أن هذه الآنية أكثر هشاشة من سابقتها. فالطبقات الحاكمة تكون في أضعف لحظاتها عندما تبدأ في إصلاح شئونها وتغيير مساراتها. البحث عن إصلاحات دليل على عقم الطرق القديمة وعلى تصاعد الأزمة. والسير في طريق الإصلاح الجزئي يفتح الباب للسؤال عن التغيير الجذري. فبالضبط لأن حسني "مبارك" وطبقته لا يريدان تغييرا أبعد من جمال "مبارك"، يصبح السؤال المشروع على لسان كل الكادحين والمقهورين: أوليس من حقنا أن نحلم بما هو أعمق وأكثر جذرية؟ أوليس من حقنا أن نحلم بأن نسيطر على مصيرنا بأيدينا؟ أوليس من حقنا أن نحصل على الخبز والعدل والحرية؟




التعليقات
علِّق