العودة لسياسة الاستجداء
رضوان صالح
على هامش احتفالات حزب الوفد بزعمائه التاريخيين الثلاثة، اجتمع رؤساء حزبي التجمع والناصري برئيس حزب الوفد في أغسطس 2004 بدعوة من الأخير. في الاجتماع اتفق زعماء الأحزاب على "بداية تحرك جاد ومتواصل لتحديد مسار للخروج بالبلاد من الأزمة الخانقة التي تمر بها في جميع المجالات." كان هذا الاجتماع هو نقطة الانطلاق لما سُمي بأمانة المعارضة التي تطورت فيما بعد لمجموعة الوفاق الوطني (مجموعة الأحزاب الثمانية)، التي من المفترض أنها تطرح مشروعا للإصلاح السياسي والديمقراطي يهدف إلى تغيير طريقة وشكل الحكم في مصر.
في هذا الاجتماع التمهيدي مثّل خطاب نعمان جمعة رئيس حزب الوفد النواة الأساسية لرؤية أحزاب المعارضة الإصلاحية. أعلن نعمان جمعة رئيس حزب الوفد خمسة مطالب ديموقراطية – أقر كثيرون من المشاركين في الاحتفالية بأنها تصلح كميثاق للعمل الوطني – تهدف جميعها إلى إنهاء حالة الطوارئ، وتنظيم الانتخابات القادمة وفق رؤية جديدة بإشراف قضائي كامل، وانتخاب رئيس الجمهورية بين أكثر من مرشح، واستمرار الحوار بين الأحزاب للوصول إلى الوفاق الوطني.
كيف يمكننا تقييم حركة أحزاب المعارضة الشرعية من أجل الإصلاح؟ الإجابة، لأول وهلة، هي باختصار "لا جديد تحت الشمس". مجرد تعبير فج عن حالة الإفلاس السياسي والجماهيري والذي تعاني منه كل الأحزاب الموجودة على الساحة، وذلك بترديد نفس الشعارات والمطالب الحزبية المهادنة التقليدية دون ربطها بأي مطالب شعبية تستند لحركة الجماهير من أسفل. ولكن إذا دققنا بعض الشيء في الأمر ربما نجد جديد أكثر رداءة من الوضعية السابقة.
في بداية أغسطس 2003 ذهب نائب المرشد العام للإخوان المسلمون إلى الأحزاب الثلاثة لفتح حوار منفرد مع كل منهم بهدف تجاوز الماضي وفتح صفحة جديدة من التنسيق ربما تحمل بداخلها اتفاقات محددة حول الانتخابات التشريعية القادمة المزمع عقدها في نوفمبر 2005 بعد الاستفتاء على الرئاسة بشهر واحد. واضح أن هدف الإخوان كان البحث عن حزب شرعي يدخل مرشحيهم الانتخابات من خلاله كما حدث مع حزب الوفد في 84 والعمل في 87 وما تلاها من انتخابات بالنظام الفردي. هذا الهدف من الممكن أن يقوي من وضع الإخوان في وقت يتعرض فيه كوادره ومرشحوه في أي انتخابات لضربات أمنية عنيفة رغم كل سياسات المهادنة من جانب التنظيم مع الدولة.
ولأسباب مختلفة رفضت تقريباً الأحزاب هذا التنسيق، ليس من زاوية نقدهم لرجعية الإخوان، ولكن من زاوية ضعف وهشاشة هذه الأحزاب نفسها. فتنظيم الإخوان قادر على ابتلاع أي حزب يدخل فيه، بل قادر على ابتلاع هذه الأحزاب مجتمعة. ثانياً الدخول في تنسيق مع الإخوان من الممكن أن يعرض علاقة هذه الأحزاب بالنظام لهزات عنيفة. وهنا مربط الفرس. فبالرغم من الشعارات التي ترفعها هذه الأحزاب وتتصدر بها جرائدها، إلا أنها لا يمكنها أن تطرح نفسها كبديل لهذا النظام. فمطالب هذه الأحزاب في النهاية لا تعدو أكثر من مجرد تعديلات قانونية لتجميل شكل الديكتاتورية القبيح بحلية ديموقراطية.
وقد تأكد هذا الأمر حينما خرج علينا رفعت السعيد المتحدث باسم مجموعة الوفاق الوطني ليؤكد أنه لا مكان للأحزاب والتنظيمات "غير الشرعية" (لاحظ التعبير!) في تلك المجموعة. هذا بالتحديد هو ما يفسر لنا لماذا لم تأخذ تلك المجموعة موقفا من مسألة التجديد والتوريث، بالرغم من أنها هي القضية المركزية في أي حديث عن الإصلاح السياسي في هذا البلد.
من ناحية أخرى، فلقد أقر رؤساء الأحزاب الثلاثة في اجتماعهم الأول بأن مشروعهم هذا لا يعد بأي درجة تنسيقاً للانتخابات المقبلة. إذن تقدم الأحزاب الثلاثة نفسها، عبر مطالبها، على أنها مستعدة طيلة الوقت لأن تبقى مجرد معارضة مستأنسة في فلك ديموقراطية النظام المزعومة. فلا تحالف مع قوى يبغضها النظام ويطاردها ويرفض إعطاؤها أي صبغة شرعية (رفعت السعيد صرح بأن "أن التنسيق مع الأحزاب لا يعني قطع الحوار مع الحزب الوطني الذي أجهضه بنفسه")، ولا مانع من مشاركة الحزب الوطني نفسه في "مسيرة النهوض الوطني"، وأخيراً لا تفاعل من أي نوع مع الجماهير، ولا دخول في أي نوع من التحركات والحملات التي تلعب فيها قوى سياسية سرية أدوارا قيادية مخافة أن تدفعها في اتجاهات أكثر جذرية. والثمن المنتظر هو بالتأكيد السماح بزيادة الحصة من المقاعد البرلمانية.
هناك جديد إذن .. فهذه الأحزاب تجتمع الآن على تشييع جنازتها. فالتجمع والناصري يقبلان السير وراء حزب الوفد و"ميثاقه الوطني". صحيح فعندما تصل مجموعة من الأحزاب لمنطقة الركوع الكامل تصبح وقتها برامجها وأفكارها وتاريخها أشياء ليست ذات قيمة ولا محل للخلاف حولها.




التعليقات
علِّق