اضطهاد المرأة
كما هو الحال في كل معاركهم الأساسية الأخرى، يجد الاشتراكيون الثوريون لزامًا عليهم، عندما يتعلق الأمر بقضية اضطهاد المرأة، أن يخوضوا نضالاً ضد جبهتين، الجبهة الأولى هي جبهة أعداء تحرر المرأة.. البرجوازيون ورجال الدين والتيارات السياسية البرجوازية الصغيرة الرجعية – الذين يرون في اضطهاد المرأة "تكريمًا" لها تفرضه وتحتمه ضرورات تقسيم الأدوار ما بين جنسين مختلفين طبيعيًا من حيث القدرات والإمكانيات العقلية والبيولوجية. أما الجبهة الثانية، والأكثر خطورة وتشويشًا، فهي جبهة الأنصار النسويين لتحرر المرأة، وهي جبهة تضم في صفوفها عددًا من التيارات المختلفة، والمتصارعة في معظم الأحيان. فبين أوساط الجبهة النسوية يمكننا أن نجد تيارًا برجوازيًا إصلاحيًا يهدف فقط إلى إحداث بعض الإصلاحات – الهامشية والمحدودة – في أحوال النساء دون المساس بهيكل النظام الاجتماعي القائم (وهو ما يعني عمليًا تحسين أحوال بضع آحاد من النساء المحظوظات لا أكثر)؛ ويمكننا أن نجد تيارًا انفصاليًا يهدف إلى عزل نفسه عن المجتمع القائم وتكوين مؤسسات نسائية تعارض "المؤسسات الذكورية" القائمة (!)؛ ويمكننا أخيرًا أن نجد تيارًا اشتراكيًا نسويًا يقبل ببعض التصورات الماركسية الثورية حول الارتباط السببي بين اضطهاد المرأة وضرورات الاستغلال الطبقي، ولكنه يصر (خطأ) على أن هناك استقلال "نسبي" ما بين نضال النساء من أجل تحررهم ونضال الطبقة العاملة من أجل تحررها. هذه التيارات الثلاث تنتمي، برغم تباينها، إلى جبهة واحدة لأنها تنطلق جميعًا (بشكل أو بآخر وبدرجة أو بأخرى) من التصور الذي يرى أن اضطهاد المرأة له جذوره المستقلة – جزئيًا أو كليًا – عن طبيعة وتطورات النظام الاقتصادي والاجتماعي.
في مواجهة هاتين الجبهتين – جبهة أعداء تحرر المرأة وجبهة أنصار النسويين لتحررها – ينتمي الاشتراكيون الثوريون لجبهة ثالثة ترى أن اضطهاد المرأة نشأ في مرحلة بعينها من تطور المجتمعات البشرية. بعبارة أخرى، يرى الاشتراكيون الثوريون أن معاملة المرأة باعتبارها جنسًا أدنى لا يعكس على الإطلاق نزوعًا طبيعيًا أبديًا وجد منذ وجود الرجل والمرأة – سواء بسبب الاختلافات البيولوجية أو بسبب ميول السيطرة المتأصلة في نفسية الرجال!
ينطلق الثوريون في موقفهم هذا ليس من المعتقدات الأيديولوجية أو من التمنيات الخيالية وإنما من حقائق التاريخ. إذ تشير كل الدلائل التاريخية إلى أنه لم يكن هناك أي أثر لسيطرة الرجال على النساء في – على الأقل – معظم المجتمعات الماقبل طبقية. ففي المجتمعات البدائية الأولى التي كان اقتصادها يقوم على صيد الفرائس وجمع الثمار كانت النساء تقوم بمهمة جمع الثمار بينما كانت مهمة الصيد متروكة للرجال. في ظل تقسيم عمل كهذا كانت المرأة تسيطر على جزء حيوي من الناتج – الثمار المجموعة. ولذلك، وبسبب دورها الحيوي في العملية الإنتاجية، كان للمرأة دور حيوي أيضًا في اتخاذ كل القرارات الأساسية للجماعة البشرية المعنية، ولم يكن هناك أي أثر للدور البطريكي (وتعني سيطرة الرجل) للرجل.
وحتى في المجتمعات الزراعية الأولى، وجد الأنثروبولوجيون (علماء الإنسان) أنه في حالات عديدة كانت المرأة تتمتع بمساواة كاملة مع الرجل. وهذا لأنه في المراحل الأولى لتطور الاقتصاد القائم على الزراعة، وقبل أن تصبح الزراعة مستقرة ومعتمدة على أدوات إنتاج ثقيلة وصعبة وقبل أن يصبح الفائض منها كبير، كان للمرأة دور كبير في العملية الإنتاجية، وكان لها بالتالي سيطرة على قسم أساسي من الناتج الاجتماعي.
لم يبدأ وضع المرأة في التقهقر في حقيقة الأمر إلا مع انقسام المجتمع إلى طبقات. إذ أنه عندما تطورت قوى الإنتاج الاجتماعية إلى الدرجة التي أصبح عندها في مقدور بعض الجماعات البشرية أن تستقر وتنتج فائضًا مستديمًا وذا شأن، أصبح من الممكن عندئذ فقط أن تنشأ طبقة مستغلة من رحم ذلك القسم من المجتمع الماقبل طبقي الذي كان يقوم بأدوار معينة أساسية في تقسيم العمل. وفي ظل هذه التطورات في تقسيم العمل وفي الفائض بدأت الفروق البيولوجية بين الرجل والمرأة – ولأول مرة – تكتسب أهمية نوعية؛ أهمية نتجت عن تطور قوى الإنتاج وعلاقات الإنتاج.
المجتمعات الطبقية الأولى كانت مجتمعات زراعية مستقرة. هذه المجتمعات، احتاجت لكي تنشأ وتستقر وتزدهر، إلى تطور في أدوات الإنتاج الزراعية. ومع النجاح الحادث في مجال تطوير قوى الإنتاج كانت عملية الإنتاج تخضع لسيطرة الذكور أكثر فأكثر، وذلك لسببين: أولهما أن أدوات الإنتاج الجديدة كانت تحتاج لقوة بدنية وعضلية أكثر، وثانيهما أنه مع كل تطور في الإنتاج وفي الفائض وفي درجة الاستقرار كانت قدرة المجتمع على استيعاب عدد أكبر من الأطفال وحاجته إليهم – كعاملين إضافيين في اقتصاد متوسع – تزيد. وهكذا كلما كانت تزيد النجاحات في تطوير قوى الإنتاج، كلما كانت المرأة توظف أكثر في دور إنتاج أجيال جديدة، وكلما كانت تنهك في أداء هذا الدور كلما أصبحت قدراتها، من حيث الوقت والطاقة البدنية على الانخراط في العملية الإنتاجية، أقل. والنتيجة أنه بمرور الوقت أصبح الذكور مسيطرين على العملية الإنتاجية وعلى الفائض.. ومن ثم مسيطرين على النساء.
وفي كل المجتمعات الطبقية السابقة على الرأسمالية ظلت سيطرة الرجال على النساء وإخضاعهم لهن تتوطد. إذ ظلت المرأة مهشمة في العملية الإنتاجية ودورها محصور في إعادة الإنتاج (إنجاب الأطفال وتربيتهم). ومع نشوء الرأسمالية خضعت أوضاع المرأة لتبدل عنيف، ولكن هذا التغير لم يمس جوهر اضطهاد المرأة.. بل دعمه وحافظ عليه، وإن يكن في شكل جديد ولأسباب أخرى.
لقد ورثت الرأسمالية عن أنماط الإنتاج السابقة عليها كل المؤسسات التي كانت تقوم بوظيفة إخضاع المرأة لسيطرة الرجل؟
ولكن الرأسمالية، بما أنها أكثر المجتمعات الطبقية ثورية، لا تخضع للمؤسسات التي ترثها: فإما أن يعاد تشكيل هذه المؤسسات بالطريقة التي تجعلها ذات فائدة لأهداف الرأسمالية، وإما أن تحطم تحطيمًا. وهذا هو بالضبط ما فعلته الرأسمالية البازغة في مؤسسات إخضاع المرأة (وأهمها مؤسسة الأسرة).
لقد وجدت الرأسمالية أن أمامها طريقين لا ثالث لهما "للتعامل" مع مؤسسة الأسرة: إما أن تغير من شكل ودور هذه المؤسسة بالطريقة التي تجعلها قادرة على أداء وظيفة إعادة إنتاج قوة العمل (إنجاب أطفال، وتربيتهم والاعتناء بهم تمهيدًا لقذفهم إلى سوق العمل كعمال مأجورين، الاعتناء بالعمال الذكور ماديًا وعاطفيًا ونفسيًا حتى يصبحوا مؤهلين لإنتاج فائض القيمة..) لمصلحة الطبقة الرأسمالية، أو أن تحطم هذه المؤسسة تمامًا على أن تقوم هي – نعني الرأسمالية – بهذه الوظيفة عن طريق الإنفاق على حضانات تسع كل الأطفال، وعلى مطاعم جماعية رخيصة، وعلى مغاسل ومؤسسات تنظيف غير مكلفة.. إلخ. وقد اختارت الرأسمالية – كما هو واضح – الطريق الأول. السبب في ذلك أن الطريق الثاني باهظ التكاليف إلى درجة لا يمكن في ظلها أن تقبل أن تتحمله الرأسمالية. فالطريق الثاني معناه أن قسمًا ضخمًا من الفائض المخصص للتراكم الرأسمالي سوف يحول إلى الإنفاق على عملية إعادة الإنتاج وهو ما يعني بدوره انخفاض قدرة الرأسمالية على التراكم الموسع!
وبإتباع الرأسمالية للطريق الأول أصبح استمرار اضطهاد المرأة حقيقة واقعة، وضرورة من ضرورات التراكم الرأسمالي. وأصبحت وظيفة المرأة في الأسرة الرأسمالية (الأسرة النووية) هي إعادة إنتاج قوة العمل.. ليس لمصلحة العامل الرجل (!) وإنما لمصلحة الطبقة الرأسمالية في مجموعها.
ولكن، وكما هي الحال في كل المسائل الأخرى، بنفس الدرجة التي تدعم وتعزز بها الرأسمالية من اضطهاد المرأة، فهي أيضًا تخلق الشروط الضرورية لتحررها الكامل في سياق تحطيم علاقات الإنتاج الرأسمالية. يمكننا أن ندرك ذلك تمام الإدراك عندما نتابع التاريخ الملموس لموقف الرأسمالية. يمكننا أن ندرك ذلك تمام الإدراك عندما نتابع التاريخ الاجتماعي. فبالرغم من أن الرأسمالية لم ولن تتخلى – لأسباب شرحناها – عن مؤسسة الأسرة وعن اضطهاد المرأة، إلا أنها سمحت – ولأوسع نطاق على مدى تاريخ المجتمعات الطبقية – للمرأة بالانخراط في الإنتاج. لإذ أنه مع التطور العلمي الذي حدث في وسائل تنظيم الأسرة، ومع المنتجات التكنولوجية المنزلية الحديثة التي تخفف من أعباء ربة المنزل، بدأ الرأسماليون يلتفتون بأنظارهم (خاصة في مراحل العجز في قوة العمل ومراحل الانتعاش الاقتصادي) إلى المرأة: فلماذا لا يستغلون المرأة أيضًا كعمل مأجور – إضافة لاضطهادها في دور إنجاب وتربية الأطفال – في اللحظات التي لا تكون مشغولة فيها بمهمة إعادة إنتاج قوة العمل؟ لماذا لا يضيفون مصدرًا حيًا آخر ينتزعون منه فائض القيمة – خاصة وأنه أصبح في مقدوره القيام بوظيفتي إنتاج فائض القيمة وإعادة إنتاج قوة العمل؟
وهكذا دخلت نساء الطبقة العاملة إلى سوق العمل، وامتزج الاضطهاد بالاستغلال. إذ لم تكن المرأة مصدرًا إضافيًا لانتزاع فائض القيمة فقط، وإنما كانت أيضًا مصدرًا أرخص وأضعف. وهو الأمر الذي سمح للرأسماليين – خاصة في لحظات الأزمة الاقتصادية – بمحاولة شق صفوف الطبقة العاملة ما بين رجال ونساء. فالسر الحقيقي في انتشار أيديولوجية الدعوة لعودة المرأة للمنزل في لحظات الأزمة الاقتصادية هو محاولات تيارات من الطبقة الحاكمة لإتباع مبدأ "فرق تسد" من أجل سحق كل من الطرفين – الرجال والنساء – عن طريق إقناع العمال الرجال بأن عمل المرأة – وليست طبيعة النظام القائم أنانية الربح وفوضى السوق – هو المتسبب في الأزمة.
لكن بالرغم من كل فظائع الرأسمالية في مجال عمالة النساء، إلا أنه توجد حقيقة أساسية لا يمكن إنكارها، وهي أن دخول المرأة إلى تجربة العمل خارج المنزل، وانخراطها، جنبًا إلى جنب مع العامل الرجل، في النضالات – العفوية أو المنظمة – ضد سلطة رأس المال، قد بذر البذرة الأولى لانعتاق المرأة ولتضامنها مع رفاقها الرجال في النضال ضد كل اضطهاد واستغلال. هذه البذرة تعبر عن إمكانية حقيقة خلقها تطور قوى الإنتاج في المجتمع الرأسمالي، وهو التطور الذي أعطى للبشرية إمكانية جعل عملية إعادة الإنتاج عملية إنسانية يقوم بها المجتمع بأسره (وليست المرأة المضطهدة والخاضعة وحدها)، ولكنه حرم الإنسانية من تحقيق تلك الإمكانية بسبب جشع وأنانية رأس المال. والطريق الوحيد لتحويل الإمكانية إلى حقيقة هو امتزاج النضال من أجل تحرر النساء، بنضال الطبقة العاملة ضد سلطة رأس المال: سبب اضطهاد النساء.


التعليقات
علِّق